الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
209
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجوز أن يكون الاستثناء متصلا : إمّا على أنه استثناء من الضمير في قوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق : 19 ] جريا على تأويله بركوب طباق الشدائد والأهوال يوم القيامة وما هو في معنى ذلك من التهديد . وإمّا على أنه استثناء من ضمير الجمع في « فبشرهم » [ الانشقاق : 24 ] والمعنى إلا الذين يؤمنون من الذين هم مشركون الآن كقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [ البقرة : 160 ] وقوله في سورة البروج [ 10 ] : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا الآية وفعل آمَنُوا على هذا الوجه مراد به المستقبل ، وعبّر عنه بالماضي للتنبيه على معنى : من تحقق إيمانهم ، وما بينهما من قوله : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الانشقاق : 20 ] إلى هنا تفريع معترض بين المستثنى والمستثنى منه خصّ به الأهمّ ممن شملهم عموم لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق : 19 ] . وقيل : هو استثناء منقطع من ضمير فَبَشِّرْهُمْ فهو داخل في التبشير المستعمل في التهكم زيادة في إدخال الحزن عليهم . فحرف إِلَّا بمنزلة ( لكن ) والاستدراك فيه لمجرد المضادة لا لدفع توهم إرادة ضد ذلك ومثل ذلك كثير في الاستدراك ، وأما تعريف بعضهم الاستدراك بأنه تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه ، فهو تعريف تقريبي . وجملة لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ استئناف بياني كأنّ سائلا سأل : كيف حالهم يوم يكون أولئك في عذاب أليم ؟ والأجر غير الممنون هو الذي يعطاه صاحبه مع كرامة بحيث لا يعرّض له بمنة كما أشار إليه قوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأحقاف : 14 ] ونحوه مما ذكر فيه مع الجزاء سببه ، والمعنى : أن أجرهم سرور لهم لا تشوبه شائبة كدر فإن المنّ ينغّص الإنعام قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] وقال النابغة : عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة * لوالده ليست بذات عقارب ومن نوابغ الكلم للعلامة الزمخشري : طعم الآلاء أحلى من المنّ . وهو أمرّ من الآلاء مع المنّ . ويجوز أن يكون غَيْرُ مَمْنُونٍ بمعنى غير مقطوع يقال : مننت الحبل ، إذا قطعته ، قال تعالى : وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [ الواقعة : 32 ، 33 ] .